النيهلستية* في الفلـسفة الألمانية
( من شتيرنر إلى نيتشه )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النيهلستية* Nihilism))، تعني في ترجمتها العربية ( العدمية)، و هي نزعة توّج بها ماكس شتيرنر وفريدريك نيتشه نهاية القرن التاسع عشر. هذه النزعة التي بشَّر بها هذين الألمانيين، واللذَين اتفقا في مقدماتها، و لكنهما سوف يختلفان و يفترقان في نتائجهما، فالعدمية كنزعة و رؤية في الوجود، تعني أن أعلى القيم تفقد كل قيمة, و يُعتبر الأديب الروسي ( إيفان تورغونييف) أول مَنْ ابتدع و نحت الدال اللغوي لهذه النزعة في روايته المعنونة بـ(الآباء و الأبناء)، و يُمثِّل بطلها ( بازاروف) نموذج الإنسان العدمي، الذي يصف لنا هذه النزعة بكل وضوح، قائلاً:( ما علينا أن نتباهى إلاِّ بشعورنا العقيم بفهمنا ـ إلى حدّ ما ـ عقم ما هو موجود ). إننا نصبح عدميين مع (تورغونييف)، حينما يتملكنا ذلك الشعور العقيم، بعقم الوجود المتعيّن، فهذه العدمية التي لا تكترث بالحياة، بما هو موجود، إنما هي عدمية سلبية لا تقيم وزناً لما هو موجود، و تصبح خطيرة عندما تعجز عن الإيمان بما هو موجود، يقول:(ألبير كامو) في وصف هذه النزعة التهديمية المفرطة:(إذا كانت تعني العجز عن الإيمان، فإن أخطر ظاهرة لها لا توجد في الإلحاد، و إنما في العجز عن الإيمان بما هو موجود، و في العجز عن رؤية ما يجري، و عن عيش ما يُسنح).
إن عدمية( شتيرنر) هي من هذا النوع، سلبية و هدّامة، فأسّس فلسفة في التمرد، أما (نيتشه)، فقد امتلك إرادة جديدة في الوجود، فأضفى قيمة إيجابية على الحياة، بعد أن تخلى عن كل ما أورثه ( شوبنهاور) من تشاؤم و سلبية، هذه الإرادة الجديدة هي شيء تفرّد به نيتشه من خلال نضاله ضد عصره، فجاءت عدميته إيجابية، بناّءة لتعلن في النهاية إيماناً جديداً مؤسِّساً فلسفته على التمرد.
إن العالم يحتاج أبداً إلى الحقيقة.(1) بهذه اللغة التي تتخذ طابع المطلق صفة لها، بحث نيتشه عن الحقيقة، مهما كلّفه الأمر، هذه الحقيقة لم تعد توجد إلاّ بوجود الحامل الموضوعي لها، أي لم تعد هذه الحقيقة إلاّ حقيقة إنسانية، إذ ينتزعها نيتشه من سمائها الميتافيزيقية لتصبح حقيقة الإنسان في "حالة الصيرورة" (2).
هذه الرغبة في البحث عن الحقيقة أعلنها نيتشه في وقت مبكر من تفلسفه، حيث تحولت لديه النزعة الدينية، كما يقول، إلى رغبة في الحقيقة، كتب في مقالته المعنونة " بالقدر و التأريخ " قائلاً:
ستحدث اضطرابات واسعة في المستقبل، حالما يُدرك الناس أن المسيحية لا تستند إلاّ على الفرضيات، لقد حاولتُ أن أُنكر كل شيء. ( 3 ).
اعتباراً من آنية تفجر الذات هذه عند نيتشه، سوف يُدرِك أنه ينبغي تعليم البشر الضحك بدل الألم، سوف يستبدل نيتشه نبّياً بآخر، سوف يسخر زرادشت من " إكليل يسوع، بأن يتوج نفسه بإكليل من الورود، هذا الإكليل هو إكليل محض حجاجي، في مواجهة إكليل يسوع المصلوب " (4 ).
إنَّ شتيرنر هو الآخر، مثَّل قبل نيتشه، مرحلة جديدة، حيث جعل كل فرد إنساني مالكاً لعالمه الخاص، حقيقته الوحيدة. يمكننا اعتبار " شتيرنر و نيتشه " الممثلين البارزين للنزعة العدمية الأوربية ،الأول يُمثِّل وجه العدمية الهدّام العبثي ، أما الثاني فيُمثّل وجهها البنّاء،الإيجابي الواعي . و لكن ثمة وجوه أخرى مختلفة، تضاف، مثلت هذه النزعة، و لكن في ميدان السياسة، أبرز هذه الوجوه ( بيلنسكي، هيرزن، باكونين، بيزاريف، نيتشايف ) و لا بأس علينا إن عرضنا بعضاً من آراء هؤلاء فيما يخص موضوع البحث.
إن أمثال هؤلاء الروس العدميين كانوا انموذجيين، و إن لم يكونوا فعالين على نحو إيجابي في ساحة الفكر الفلسفي. فقد أشاروا إلى حقوق، إلى عظمة النفس الإنسانية.
في البدء استخلصوا من المذهب الهيغلي تبريراً لنظرة اجتماعية متصوفة " و لكن هذا الهوى الروسي تراجع فيما بعد أمام هذه المشاركة الفعلية في الإثم مع الحكم المستبد " (5) فانتقلوا إثر هذا الإدراك العميق للموقف إلى موقف مناقض و منافٍ تماماً للذي تبنّوه سابقاً.
إن موقف " بيلنسكي " و الذي هو أكثرهم تأثيراً، يُعتبر أكثر دلالة بهذا الخصوص. يقول متوجهاً بكلامه إلى هيغل بالذات: ( مع كل الاحترام اللائق بفلسفتك البورجوازية، لي الشرف بأن أُحيطكَ علماً بأنني سأسألك الحساب عن كل ضحايا الحياة و التاريخ إذا أتيحت لي فرصة الارتقاء إلى أعلى درجات التطور. إنني لا أريد السعادة حتى لو كانت مجانية، إذا لم أكن مستريح البال بخصوص كل إخوتي في الدم ) (6).
إن ما قرأناه " لبيلنسكي " واضحٌ يريد أن يطرح جانباً كل الموروث الهيغلي، إذ يريد خلود الإنسان كله منتصباً في شخصه الحي، لا الخلود التجريدي للنوع و قد أصبح روحاً. (7).
أما " هيرزن (1812ـ1870م) فقد كتب قائلاً: إن إزالة القديم تعني إحداث المستقبل " بهذا القول سوف يتابع و يستأنف هيرزن المنحى الذي بدأه بيلنسكي من قبل، هذه المطالبة بإزالة كل قديم، و بالتالي كل تاريخ و عقد العزم على بناء المستقبل، هذه المطالبة الشتيرنرية ـ فيما سنرى لاحقاً ـ تعود إلى الظهور مع هؤلاء الروس. إنّ هذه النزعة الهدّامة سوف تشتّد ـ فيما بعد ـ في شخص آخر، أخلص للذات الفردية كثيراً، هذا الشخص هو “ بيزارييف " (1840 ـ 1868م) طارحاً كل عملٍ ليس أنانياً صرفاً " (8 ).
إن بيزارييف إذ يُقدس الذات الفردية، يُنكر كل ما ليس إرضاءً لهذه الذات، يُنكر في الوقت ذاته:الفلسفة، الفن، الأخلاق، الدين، إجمالاً يُنكر كل نتاجات الوعي، لينحت لنا عبر صورة واضحة و صادقة نموذجاً مثل إيفان وراسكولينكوف أبطال دوستوفسكي. إنّ بيزارييف طرح على نفسه السؤال التالي: هل يستطيع المرء أن يقتل أمه ؟ فأجاب قائلاً : لمَ لا ، إذا كنتُ أريد ذلك و أجده مفيداً.
أما ( باكونين)، فهو الأكثر شهرة بين هؤلاء الروس الفردانيين العدميين، جسدَّ هو الآخر منحى التمرد الفردي الذي نحاه ( بيلنسكي ) مؤثراً على سلسلة الأحداث في روسيا، و لكنه أتى بشيءٍ آخر( بذرة تحلّل قيمي سياسي)(9)، متأثراً في هذا بالفوضوية الفرنسية.
يقول( كامو): كان باكونين الوحيد في زمانه الذي انتقد حكومة العلماء بعمقٍ استثنائي، و ضد كلَّ تجريدٍ، دافع عن الإنسان كله المتوحد توحداً ذاتياً مع التمرد.(10).
لَئن مجَّد باكونين الأشقياء، مجَّد أشخاصاً لم يأتوا عقيدة أو مبدأً، مجَّد أشخاصاً كان مثلهم الأعلى، الحرية الخالصة، إنّ ما يبحث عنه باكونين، هي ( العاصفة و الحياة، هذا ما نحتاجُ إليه، عالمٌ جديد، بلا قوانين، و بالتالي عالمٌ حر) (11).
بالمقابل لن تكون صورة ( نيتشايف ) آخر أقرانه الروس، مختلفة، مقارنة مع سابقيه المتمردين، سوف يرث عن باكونين، المداهنة في السياسة الثورية، الأمر الذي يدعو إلى السخط كما يقول كامو.
إنّ نيتشايف، يُعتبر أقل شهرة من باكونين، و لكنه وجهٌ أكثر دلالة فيما يخص موضوع البحث، فقد سار بمنطق العدمية إلى أبعد ما يمكن، و يكاد يكون خالياً من التناقض.( 12). إنّ العالم الوحيد لديه هو عالم الأشقياء المتوحش، السياسة هي الدين الوحيد، و الثورة هي كل شيء.
إنَّ الثوري ـ و القول لنيتشايف ـ إنسانٌ محكوم عليه سلفاً. يجب أن لا يرتبط بأية علاقاتٍ عاطفية، و أن لا تكون له أشياء أو كائنات محبوبة، عليه أن يتجرد حتى من اسمه، كل شيء فيه يجب أن يتركز في هوى وحيد: الثورة.( 13).
إننا إذ نبحث في آراء هذه الفئة العدمية، و التي يجمع بينها شعار( الهدم، لا البناء)، لا نستطيع أن نضع فواصل دقيقة تُميّز بين متمرد و آخر، فهم يشكلون بقعة ظلالية واحدة و متداخلة إلى حدّ ما.
أما ( ماكس شتيرنر 1806ـ 1856م )، فسنبحث في نتاجه ليس كمتمرد عدمي فحسب، إنما كمفكر ترك لنا نتاجاً فلسفياً مارس بعض التأثير و إنْ و صفه ( أنجلز)، بأنه ( ظلّ حدثاً طريفاً بسيطاً ).( 14)، في ميدان الفلسفة الكلاسيكية الألمانية.
إنّ شتيرنر هو واحدٌ من الشبان الهيغليين اليساريين، الذي كثيراً ما كان يختلف إلى جمعية المتحررين، و الذي ( لم يكن لديه حسابٌ يصفيه مع الله فحسب، بل أيضاً مع إنسان فيورباخ، و فكر هيغل المطلق و تجسده التاريخي في الدولة).(15).إن الإنكار عند شتيرنر سوف يبلغ ذروته لتتآلف من ثمّّ مع مبدأ تبرير الجريمة، لصالح أنا فردانية متمردة على كل التجريدات، لتصبح هي بدورها ـ فيما بعد ـ مجردة غير قابلة للتسمية، و ذلك من فرط ما عُزلتْ عن أصولها، و قُطعتْ عن جذورها.( 16).
شتيرنر لن يرهق نفسه كثيراً، كما سيفعل نيتشه لاحقاً، بل سيضحك و هو في ورطته، أما نيتشه فسوف يناطح الجدران، سوف يشرع شتيرنر بعملية التكنيس منذ عام 1845، عام صدور كتابه( الأوحد و ملكيته )، و الذي يصفه البعض من مؤرخي الفلسفة، بأنه نتاجٌ فوضوي لرجلٍ شاذ الطباع.
في كتابه الوحيد، سعى شتيرنر نحو تأكيد ( الأنا الفردية ) المشخصة و تمييزها عن ( الأنا المطلقة ) المفارقة، التي قال عنها ( فيخته )، هذه الأنا التي يحرص عليها شتيرنر كثيراً، إذ يحوّلها إلى منتهى ما لها من صفة خصوصية، لن تجد في النهاية حتى أسماءً تسميها. يقول شتيرنر ( لم أبنِ قضيتي على أي شيء، ليس من شكٍ في أن الخطيئة بليّة، و لكن الحق الذي نُكابد منه هو أيضاً بليّة، الله هو العدو، و لكن الله ليس سوى أحد انحرافات الأنا الذاتية الفردية).( 17).
إنّ شتيرنر يجعل من كل الأنبياء و الفلاسفة أُناساً ابتدعوا صوراً جديدة لانحرافات الأنا الذاتية، فهو( يعتقد أن التاريخ العام حتى مجيء يسوع لم يكن سوى جهد طويل للسير بالواقع نحو المثال).( 18). و اعتباراً من يسوع بُدِىء بتحقيق هذا المثال.
ربما لم يتملكه أحدٌ ذاته من قبل، مثلما حدث مع شتيرنر، إنه تمَلُك جنوني صارخ مسموم، فهو لا يؤمن بشيء سوى حرية واحدة، هي كما يقول (قوتي)، و حقيقة واحدة هي (الأنانية العظيمة، أنانية النجوم).(19).
أمام هذه الرؤية الواضحة التي خطّها شتيرنر لنفسه أو للآخرين، بماذا يمكن للمرء أن يتوقع حيالها، هل يستمر طالما أنه بدأها هكذا، ليصل إلى نهاياتها القصوى، ألا و هي الدمار، أم يتراجع فتخذله قواه الفكرية؟ إن كامو يصف أمثال شتيرنر و مَنْ معه من المتمردين العدميين، بأنهم سيجرون جميعاً نحو أقاصي العالم ثملين بالدمار. إنّ شتيرنر لن يتراجع أبداً، و لن يخون حقيقته، سوف ينتصر لذاته، للأنا مقابل العالم، فيجد أمرَّ مسراته في الخواء، كتبْ عن الأمة الألماني
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |